الشيخ عبد الغني النابلسي

415

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فإنه ، أي خالدا عليه السلام ما ادعى الإخبار بما هنالك ، أي بأحوال البرزخ والقبور إلا بعد الموت ، أي بعد موته ووضعه في القبر فأمر أن ينبش عنه قبره ويسأل عن ذلك حتى يكون إخباره عن ذوق حقيقي وكشف حسي . وقد أخبرت الأنبياء عليهم السلام عن أحوال البرزخ والقبور ، ولكن بطريق الوحي والخبر الإلهي الواصل إليهم ، لأن ذلك كان منهم قبل موتهم ، وخالد عليه السلام أراد أن يخبر بعد موته وعوده إلى الدنيا ثانيا فيخبر أن الحكم الواقع في البرزخ من أحوال الموتى على صورة ما كانوا عليه من نتائج الأعمال والأحوال الحياة الدنيا طبق ما أمرتهم به الرسل عليهم السلام ونهتهم عنه من أحكام اللّه تعالى ، وإن لم يشعروا بذلك وهم في الحياة الدنيا ، وإنما المؤمنون به بالغيب والكافرون كافرون به حتى يموتوا فيذوقونه ويشهدونه حسا وكشفا . فيعلم بالبناء للمفعول بذلك ، أي بما يخبر عنه صدق الرسل كلهم من آدم إليه عليهم السلام فيما أخبروا ، أي الرسل عليهم السلام به في حياتهم الدنيا قبل موتهم مما هو نافع للمكلفين في أمور آخرتهم عند اللّه تعالى أو ضار لهم فيها من الأعمال والأقوال والأحوال ظاهرا وباطنا فكان غرض خالد صلى اللّه عليه وسلم حصول إيمان ، أي تصديق العالم كله ، أي جميع المكلفين بما جاءت به الرسل عليهم السلام من عند اللّه تعالى وإزالة شبه الجميع عن أقوال الرسل وإخباراتهم عليهم السلام ليكون ، أي خالد عليه السلام رحمة للجميع ، أي الرسل وأممهم حيث اقتضت نبوّته تصديق الكل بالحق وزوال التكذيب به عنهم . فإنه ، أي خالدا عليه السلام تشرف ، أي صار شريفا فارتفعت همته إلى هذا الأمر العظيم الشأن الجسيم ، الذي لم تتطاول إليه يد نبي من الأنبياء الماضين عليهم السلام أصلا بقرب ، أي بسبب قرب نبوّته ، أي خالد عليه السلام من نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي قال اللّه تعالى فيه : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] . وعلم ، أي خالد عليه السلام بالوحي الكشفي أن اللّه تعالى أرسله ، أي أرسل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يظهر زمان إرساله لأنه حق كائن في وقته رحمة للعالمين . ولم يكن خالد عليه السلام برسول اللّه وإنما كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل ، ولهذا أضاعه قومه ، لأن اللّه تعالى أوحى إليه ولم يأمره بالتبليغ ، ولو أمره لما قدر على إضاعته أحد كما أمر المرسلين من أولي العزم وغيرهم عليهم السلام وتعرض لهم قومهم بالتكذيب والجحود وإبطال الحق الذي جاؤوا به والمنع من متابعتهم ، ولم يقدروا وقد أعجزهم اللّه تعالى وردهم مخذولين خاسرين خائبين في